الجمعة، 13 فبراير 2009

abouhayyan.blogspot.com

كان أفلوطين Plotinus تلميذاً لأمونيوس سكّاس Amonius Saccas الذي عاش في النصف الأول من القرن الثالث بعد الميلاد. وكان أنجب تلاميذه. وكان عصره عصر اضطرابات في الإمبراطورية الرومانية ومن جميع النواحي. وسكّاس Saccas هو مؤسس ما صار يعرف في تاريخ الفلسفة بالأفلاطونية الجديدة Neo-Platonism.[1] وقد ولد مسيحياً لكنّه تحوّل إلى الإيمان الهلّيني فيما بعد.[2] وعاش في مدينة الاسكندرية، واعتبر الفيلسوف الأول الذي حاول التوفيق ما بين أفلاطون وأرسطو.[3]
ولد أفلوطين حوالي عام 204 وبعد أن درس على يد سكّاس Saccas رحل إلى روما في عام 244. ويخبرنا تلميذه وكاتب سيرة حياته فرفوريوس Porphyry أنه كان متصوِّفاً دينياً وأنه بلغ حالة السعادة القصوى ecstacy أربع مرات إتحاداً بالله. ويذكر، فيما يذكر من أقواله (شطحاته)، قوله: "على الآلهة أن تأتي إليّ وليس عليّ أن أذهب اليهم" عانياً أن مكانها ليس في المعابد بل في قلب الإنسان.[4] توفي أفلوطين Plotinus في روما عام 270 بعد الميلاد، عن عمر ناهز الستة والستين.
وتجدر الإشارة إلى أن معلوماتنا عنه سواء لجهة أخباره أو فلسفته فقد وصلتنا عن طريق تلميذه فرفوريوس Porphyry الذي دوّنها وجمعها في ستة أجزاء كل جزء منها تسع رسائل، لذا عرف مجموعها بالتساعيّات.[5]
أما جوهر فلسفته فهو في نظرية الفيض emanation. وملخّصها أن الكون كله صادر عن مصدر واحد يسميه الواحد The One.[6] ومنه انبثق كل شيء على التوالي: العقل الكوني المقدس كان أول فيض للواحد ثم كان الروح الكوني أول فيض للعقل.[7] وتلاه العالم الفيزيائي، وهكذا.[8] كما تجدر الإشارة إلى أن الفارابي شرح هذه النظرية شرحاً وافياً في مسعاه الخاطئ للتوفيق ما بين أفلاطون وأرسطو، في حين أنه كان، وبلا دراية منه، موفقاً بين أفلوطين وأرسطو.[9]
أما إكهارت Meister Eckhart فيذكر سكورمان Reiner Schurmann، الذي ترجم مواعظه عن الألمانية، أن الفكرة المركزية للمواعظ هي فكرة التحرر أو الانعتاق.[10] ويتكلم إكهارت Eckhart عن الاتحاد بيسوع وعن شرطه الذي هو المماثلة لأن الحكماء (القديس توما الأكويني وقبله أرسطو) علّموا أن "الشبيه يلاقي الشبيه"، والسبيل إلى التشبه بالربّ هو قطع العلاقات.[11]. ومما يقول أيضاً ما يلي: "كينونة الله هي كينونتي، والكينونة الأصلية لله هي كينونتي الأصلية".[12] ويضيف قائلاً: "وخارج الله عدم، وليس إلاّ العدم".[13]
واضح مما تقدم أن المتصوفين الوحيدين اللذين جاء على ذكرهما تاريخ الفلسفة قبل ظهور الإسلام والتصوف الإسلامي كانا أفلوطين Plotinus واكهارت Eckhart وليس زينون الرواقي.
نعود لسؤالنا: من هو زينون الرواقي؟
نجيب فنقول: كان المؤسس لعلم الأخلاق. المؤسس للمنطق الحديث الذي يعرف بالمنطق الرمزي أو منطق الرياضيات. وكيف هذا؟ نجيب فنشرح بما يلي:
*الأخلاق الرواقية:
نبدأ بشهادة الفيلسوف الأميركي المعاصر ألان دوناغان Alan Donagan الذي أكّد بالحرف الواحد "أن الرواقيين، وليس أرسطو ولا أفلاطون، كان لهم الفضل بوضع أول تعريف واضح ومعقول للأخلاق بمبدأهم العالمي".[14] فمن هو زينون الرواقي وما هو المبدأ العالمي الذي وضعه زينون الرواقي وحمله تلاميذه اللاحقون فيما بعد (وهل كان الفيلسوف الألماني الكبير كانط Immanuel Kant أحدهم في القرن الثامن عشر)؟[15]
زينون الرواقي فيلسوف عاش في القرن الرابع والقرن الثالث قبل الميلاد (335 - 264 ق.م.)، بعد فلاسفة اليونان المعروفين: سقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس. وهو من كتيوم Citium في قبرص وأصل عائلته من فينيقيا، من صور من لبنان القديم. بعد أن استقرت عائلته في قبرص، ذهب إلى أثينا ليعلّم شبانها حكمته الجديدة. وقد عرفت تلك الحكمة، في تاريخ الفلسفة، بالفلسفة الرواقية ذلك لأنه كان يعلمها لتلاميذه في رواق (stoa باللغة اليونانية القديمة). والرواق، زمانئذٍ، كان عبارة عن ممرّ مسقوف ومحاط بصفين متوازيين من الأعمدة.
في أثينا، وبعد اطلاعه على مبادئ وتعاليم فلاسفة اليونان الأخلاقية وكشفه عن عيوبها ومحدوديّتها وانحصارها في نطاق المدينة polis، وضع زينون فلسفته الأخلاقية الجديدة على أساس جديد هو مبدأ العالميّة Cosmopolis.
من الوجهة اللغويّة لفظة Cosmopolis مركّبة من لفظين يونانيين قديمين ألا وهما Cosmos ومعناها الكون و polisومعناها المدينة فيكون حاصل جمعهما في لفظ جديد هو: المدينة الكونيّة أو العالم كله باعتباره مدينة واحدة.
طبعاً، لم يكن زينون جاهلاً لحقيقة أن العالم ليس مدينة واحدة من الوجهة السياسيّة ولا من الوجهة الاقتصادية وغيرهما. لكنه قصد بالمدينة الكونيّة الناحية الأخلاقية. كأني به قائلاً: أيها البشر بالرغم من تفاوتكم واختلافاتكم السياسيّة وخلافها عاملوا بعضكم بعضاً سواء أكنتم مدناً أو جماعات أو شعوباً أو أفراداً كما لو أنكم مواطنون في مدينة كونية أخلاقية واحدة، إذ لا يليق بالمواطن أن لا يحترم ويحبّ ويعامل بالحسنى أخاه المواطن.
في عقيدة زينون أن نزاعات البشر منطلقها الانفعالات passions، فإذا كان الإنسان مدفوعاً بانفعال عنصري فهو لا محالة مفرّق بين عنصره والعناصر أو السلالات الأخرى. وإذا كان محكوماً بانفعال قبلي، فهو معادٍ للقبائل الأخرى، وإذا كان مشحوناً بانفعال خصوصي فهو عدوّ الآخرين مطلقاً عليهم نيران فرديّته وأنانيّته، وقس على ذلك. من هنا قول زينون، إن الحكيم الحكيم هو القادر على كبح انفعالاته ومنعها قبل سلوكه، إنه apathos أي ضابط لانفعالاته وليس pathos، أي ليس انفعالياً.
غير أن بلوغ ذلك المستوى العالي من القدرة على التحكم بعواطفنا وانفعالاتنا الهوجاء غير ممكن بدون الارتقاء بوجودنا إلى مستوى آخر من النظر إلى الأمور ألا وهو المستوى العقلي. فالعقل في الإنسان الحاكم الوحيد القادر على لجم الانفعالات. العقل هو السائق الوحيد القادر على قيادة سيّارة جسدنا الذي يعجّ ويضج بوحوش الانفعالات، وهدايتها وتوجيهها سواء السبيل.
من شرفة العقل نرى البشر أخوة تماماً كما قال زينون الرواقي: كل البشر أخوة All humans are fellow - humans. وهذا معناه: عليك أيها الإنسان، إذا كنت عاقلاً، أن تحب جارك وتحترم الآخر. أربعة مائة سنة قبل ميلاد المسيح، وجد فيلسوف اسمه زينون ينطق بحكمةٍ أكّدتها المسيحية، بعده، ألا وهي أحبّوا بعضكم بعضاً. وكذلك الإسلام بعد المسيحية.
والجار في قاموس زينون، ليس الجار الجغرافي - المحلي حصراً ولا الجار السياسي ولا الجار اللغوي ولا الجار العنصري أو الطبقي أو الطائفي إنه الجار الأخلاقي - العقلي. إنه أي إنسان وكل إنسان.
لذلك، نقول، إن فكرة الحب العالمي Universal Love هي في صميم فلسفة زينون الأخلاقية الجديدة التي شكّلت ثورة في تاريخ الفلسفة عموماً وفلسفة الأخلاق على وجه الخصوص والتي وضعت الأخلاق على الأساس الذي بدونه لا تكون الأخلاق أخلاقاً ألا وهو مبدأ الكونية أو العالمية الذي أتينا على ذكره في مطلع بحثنا.

أشهر تلامذة زينون